محمد أبو زهرة

588

زهرة التفاسير

ولعل الفقهاء الذين قرروا إباحة القتال في الأشهر الحرم ، قد استمدوا حكمهم مما ذكرنا متأثرين بأحوال زمنهم ؛ فإنه بعد أن اتسع الفتح الإسلامي صار جند المسلمين في مذأبة من الأمم المعادية تنتهز الفرص من غير هوادة أو مهادنة ؛ فإذا رأوا المسلمين قد أغمدوا القضب في أجفانها انقضوا عليهم ، وأتوهم من مأمنهم ؛ بل لعلهم وجدوا أن الفتوحات الإسلامية التي تمت في عهد الصديق والفاروق ، وامتدت في عهد ذي النورين ، لم تغمد فيها السيوف في الأشهر الحرم ؛ لأنها كانت حربا ممتدة مستمرة موصولة غير مقطوعة ، فحسبوا أن تحريم القتال في الشهر الحرام قد نسخ ؛ ولكنا إذا قيدنا التحريم بالابتداء وفي غير حال مباكرة الأعداء بالاعتداء ، نجد النصوص سائرة مع عمل النبي صلى اللّه عليه وسلم والصحابة من غير تضارب يسيغ النسخ ، والله سبحانه أعلم بالصواب . ولما ذا حرم الله سبحانه وتعالى القتال في الشهر الحرام ؟ يظهر لي أن السبب في ذلك أمران جليلان : أحدهما : تأمين السبل في الحج ، ذهابا وجيئة ؛ ولذلك كان أكثرها أشهر الحج ، كما قال تعالى : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ . . . ( 197 ) [ البقرة ] فمنع القتل فيها تأمينا للسبل ، ولأمن بيت الله الحرام ، وأما رجب الذي بين جمادى وشعبان فقد كان شهر الاعتمار ، فيه تؤدى العمرة المندوبة انفرادا ؛ وعلى هذا يكون تحريم القتال في الشهر الحرام ليتحقق الأمن الكامل للبلد الحرام ولحرم الله الآمن إلى يوم القيامة ؛ كما قال سبحانه : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ . . . ( 67 ) [ العنكبوت ] . ولعل الفقهاء الذين قالوا : إن تحريم القتال في الأشهر الحرم قد نسخ لاحظوا هذا المعنى ؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى صارت الصحراء العربية بوبرها ومدرها كلها تحت سلطانه ، وفي ظل الله ، فصار الحجيج يصلون إلى البيت الحرام آمنين ، ولو كان القتال دائر الرحى في غير البلاد العربية ، فظنوا النسخ ؛ لأن التحريم حينئذ يكون قد استوفى أغراضه والغاية منه ؛ واستنبطوا مع ذلك من نصوص وحوادث ما يزكى ذلك وينميه ، على نظر في ذلك . وثاني الأمرين اللذين نظنهما حكمة التحريم : أن الإسلام يكره القتل والقتال ، وهو في نظره أمر بغيض لا يلجأ إليه إلا عند الاضطرار ، وإن النفوس السليمة تقر ذلك ؛ ولذلك قال سبحانه : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ